حدائق السالمية
آراء حرة

العلاقات الجنسية والعاطفية في العالم الافتراضي (1)

بقلم محمد بنجدي

النهار 24

قال صديقي… ” لم أكن أتوقع أن أعيش هذا الذي اجتاحني إذ وجدتُ نفسي في علاقة رومنسية جنسية أثيرية مع امرأة، لذة غريبة و رعشة مثيرة أدركتُ حينها أن التفاعل والتبادل في العالم الافتراضي حقيقة من نوع آخر. و أن المعنى هو من يصيغ الذات، منذ ذاك اليوم والأسئلة تؤرقني. من يمارسُ الجنسَ من خلالنا، هل النفسُ أم الجسد ؟ هل التَّعَقُلِ أم التَّخْيِّيل؟ الجنسُ والمُخَيِّلة.. أية علاقة ؟.عشقتُ أنثى عشق الجنون، تهتُ في لذّتي تِيهَ الدهشة و التأمّل، وجدتُ نفسي منخرطا في عالم افتراضي دون أن أدري أن الهاتف الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي ساقاني إلى عوالم كنت أجهلها، عوالم اللذة الجنسية والعاطفية عبر المُخَيِّلة، تجربة دونتها في مذكراتي، بُحْتُ عن حكايتي بلغة السرد النثري والحكي الأدبي”…اطلعت على مذكراته، قرأتُ كل جنونه وحبيبته. ظلتْ الفكرة تلاحقني وتراودني خاصة لما وقفت على مشهد إباحي كان يتردد على القنوات الفضائية، صور نساء عاريات و شاشة تعرض أرقام الهواتف، يقمن بحركات مثيرة ويحملن السماعات، يطلبن الاتصال بغية الممارسة الجنسية، كنتُ أعتبر الأمر تافها وأن الجنس يمارس بحضور الجسد ذكرا و أنثى، لم أفهم السرّ إلا بعدما عشت هذا الانفلات.
في حديث صديقي تراكم حملتُه عِبْأَ تساؤلات إلى جامعة ابن زهر أكادير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة علم الاجتماع. في هذا الفضاء كان احتكاكي ببعض الطلبة والطالبات، في جرأة بَوْحِهِم بمثل ما عشته، وما سمعته من قبل بعض الصديقات اللواتي اتصلن بي كصديق شاعر يكتب عن الأنثى زاد من إيماني أن ما عاشه صديقي ليس فرديا بل ظاهرة اجتماعية، تقتضي الوصف والتحليل والفهم لاستخلاص منطق اشتغالها والبحث عن مكونات تشكلها. انطلاقا مما هو ذاتي وموضوعي اخترت موضوع بحثي، لم يكن بعيدا عن هذا السياق، بل ارتبط به ارتباط شغف واستهواء، موضوع اختار لنفسه هذا العنوان ” العلاقات الجنسية و العاطفية في العالم الافتراضي “. قررتُ أن أبحث في ظاهرة العلاقات الجنسية و العاطفية في العالم الافتراضي بحثا سوسيولوجيا. وتكمن أهمية الموضوع في استجلاء الرابط الناظم بين مواقع التواصل الاجتماعي والرقابة الاجتماعية، لأن العالم الافتراضي أتاح للأفراد كما الجماعات فرصة للتعبير عن نفسها وحقيقتها بكل حرية ودون وصاية، بعيدا عن الرقابة الاجتماعية؛ من عادات و تقاليد، قيم و معايير دينية، إثنية عرقية و لغوية، خارج التمثلات والتصورات المحددة للعلاقات الجنسية و العاطفية. كما أتاح أيضا للجسد الأنثوي في بعده الجندري الانفلات من قبضة المقولات السياسية و الإيديولوجية ومن المحددات الاجتماعية والثقافية…
أصبح هذا العالم الافتراضي ملاذا لكل الفارّين من قهرية الرقابة الاجتماعية وسلطانها، متنفسا لتصريف الكبت الجنسي و العاطفي، وحضنا لاحتضان الجسد الأنثوي الهارب من سلطة المقولات السياسية والعقائدية، من النَمْدَجَة الاجتماعية والثقافية، خاصة وأن التكنولوجيا فتحتْ غرفا أثيرية غير مرئية لاستقبال تفاعلات وأنماط اجتماعية، بمدلولات ومعان جديدة، تختلف كل الاختلاف عن سيميائية الجسد وبرتوكولاته في الواقع العيني الملموس. أشكالٌ تعكسُ ذاك المقموع والممنوع في الواقع الاجتماعي والثقافي. نسق تفاعلي بمعجم دلالي مستمدٌ من سياق الفضاء الأزرق (ورود، رموز لملصقات: قلب، ابتسامة، فرح، حزن، دموع، غضب، تأييد أو اعتراض، تضامن، صور لمضاجعة جنسية متحركة، قبلات و مناظر رومنسية وعاطفية…). إن دل هذا إنما يدل على وجود ميدان جديد وظواهر اجتماعية، وجب التعامل معها بمنطق سوسيولوجي مختلف على مستوى المفهوم والمنهج، و العمل على تتبع كيفية تشكلها و تحليل منطق اشتغالها وظيفةً وأدواراً. وتظل ظواهرا اجتماعية انتشرت في الفضاء الأزرق (العالم الافتراضي) بشكل يقتضي فتح ملفاتها على أرضية البحث السوسيولوجي.
ما كان يتم تصريفه في اللاوعي عبر بوابة الأحلام وفلتات اللسان (سيغموند فرويد)، أضحى اليوم يُمَارَسُ بوعي وتحت أسماء وصور مستعارة. إنه البحث عن حقيقة الذات، عن حريتها واحتياجاتها وعن المثيرات المنسجمة والمتناغمة مع تحقيق اللذة الجنسية. والتي تختلف من فرد إلى فرد، من ثقافة إلى ثقافة ومن حقبة تاريخية إلى أخرى. فنجدُ اللذة تتوزع من السادية (sadism) الماسوشية ( machosim) والسحاقية والمثلية الجنسية… كما أننا نجد علاقات عاطفية ورومنسية لفئات عمرية، لكل منها محدداتها وتجلياتها الأثيرية تمارس بلغة الاستحضار المُتَخَيّل. فالمحددات قد تكون بيولوجية، نفسية، اجتماعية، صحية أو مرضية، و التجليات هي الأشكال و الأنماط والتفاعلات المجسدّة كسلوك و اتجاه…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق